صديق الحسيني القنوجي البخاري
427
فتح البيان في مقاصد القرآن
صِدْقاً وَعَدْلًا أي تمام صدق وعدل ، قال أبو البقاء والطبري النصب على التمييز وتبعهما السيوطي ، وقال ابن عطية : هو غير صواب وليس في ذلك إبهام وأعربه الكواشي حالا من ربك أو مفعولا له ، قال قتادة : صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم ، وقيل صدقا فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية ، وعما هو كائن إلى قيام الساعة وعدلا فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر الأحكام . لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به لما وصفها بالتمام وهو في كلامه تعالى يقتضي عدم قبول النقص والتغير ، قال محمد بن كعب القرظي : لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والآخرة كقوله : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ ق : 29 ] وفيه دليل على أن السعيد لا ينقلب شقيا ولا الشقي ينقلب سعيدا فالسعيد من سعد من الأزل والشقي من شقي في الأزل وَهُوَ السَّمِيعُ لكل مسموع الْعَلِيمُ بكل معلوم ومنه قول المتحاكمين . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 116 إلى 119 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118 ) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ( 119 ) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أخبره اللّه سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من فيها أضلوه لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين وهم الطائفة التي لا تزال على الحق ولا يضرها خلاف من خالفها كما ثبت ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقيل المراد بالأكثر الكفار وبالأرض مكة أي أكثر أهل مكة . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما يتبعون إلا الظن الذي لا أصل له وهو ظنهم إن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى اللّه وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي يحدسون ويقدرون ، وأصل الخرص القطع ومنه خرص النخل يخرص إذا حرزه ليأخذ منه الزكاة فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين منه أي إذا كان هذا حال أكثر من في الأرض فالعلم الحقيقي هو عند اللّه فاتبع ما أمرك به ودع عنك طاعة غيره . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي بمن يهتدي إليه ، قال بعض أهل العلم : إن أعلم في الموضعين بمعنى يعلم والوجه في هذا التأويل إن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر فتكون من منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائبا عنه ، وقيل إن أفعل على بابه ، والنصب بفعل مقدّر ، وقيل : إنها منصوبة بأفعل ، أي إن ربك أعلم أيّ الناس يضلّ عن سبيله .